محمد بن أحمد الفرغاني
62
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
الاختصاصية المتعيّنة من حضرة الرحيم ليستر بها ما قام من صورة الانحراف المعبّر عنها بالذنب المشتقّ اسمه من ذنب الدابّة موضع ظهور السوءة والقبح منها بالعبد الذي صدرت منه السيئة والفعل القبيح ، بحيث تصونه تلك الرحمة عما يشينه من ظهور أثر ذلك الفعل القبيح ونتيجته فيه عاجلا أو آجلا بصورة العذاب أو العقاب أو نحوهما ، وحيث كان الخلق من جهة نفسهم وطبعهم وحكم إمكانهم محل النقائص والقبائح والسيّئات كان الحقّ تعالى دائم الستر لجميع ما يصدر عنهم ظاهرا وباطنا عن علم وقصد أو لا عن علم وقصد بآثار رحميته بحيث تصونهم تلك الآثار عن ظهور نتائج ما يصدر عنهم من المؤاخذة والعذاب والعقاب والعتاب عاجلا أو آجلا ، فلهذا أكثر ما ورد في هذا المعنى بصيغة المبالغة تعميما ، وهو ( الاسم الغفار ) وتعديدا وهو الاسم الغفور ، فمن جملة أحكام تعميم الاسم الغفار بأن ستر على المذنبين خفي جبروته لتتمّ حكمته ، وعلى المطيعين خفي توفيقه حين أضاف الأفعال والأعمال والجزاء إليهم لطفا بهم ، ثم ستر على أوليائه جميع ذلك حتى شاهدوا الكل منه فضلا ، وستر به عنهم أحكام نفوسهم بل آثار خلقيتهم ، فتحقّقوا به وظهروا به لا بهم . ومن توابعه : ( الاسم العفو ) الذي يترك مؤاخذة العبد بجنايته وظلمه الظاهر حكمهما وأثرهما عنده وعند غيره فضلا وكرما وعناية بحيث يعفو ، أي يندرس ذلك الأثر والحكم إما من جميع الوجوه أو من أكثرها . ومن توابعه : ( الاسم الرؤوف ) الذي له باطن الرحمة والشفقة والحنان ؛ لأن الرأفة ألطف رحمة باطنة منبعثة من الحبّ والعناية التي تثير الميل إلى إزالة ما يضعف العبد عن تحمّله من المكاره وإلى إعانته في تحصيل ما يتوقّعه من المحابّ والمنافع . ومن توابعه أيضا : ( الاسم التوّاب ) الذي هو الرجوع إلى إيصال الرحمة الاختصاصية والعفو والمغفرة والعناية والتوفيق وقبول التوبة إليه بعد إعراضه عنهم حال اقترافهم الذنوب والمعاصي والمخالفات مرة بعد أخرى ، لانتفاء قابلية قبولهم أثر تلك الرحمة الاختصاصية حال الاقتراف أو خفاء تلك القابلية فيهم عندها ، ولهذا قال عزّ من قائل : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [ التّوبة : الآية 67 ] ، أي أعرضوا عن ذكره عند اقتراف الذنوب ، فانتفى عنهم قابلية الإقبال عليهم ، فكان كالمعرض